أحزاب تراهن على رفع عدد نواب الأمة ضمن مقترحات تعديل القوانين الانتخابية

تعيش الساحة السياسية المغربية على وقع جدل متجدد حول مستقبل القوانين الانتخابية، وذلك في أفق الاستحقاقات التشريعية المقررة خلال خريف سنة ألفين وستة وعشرين. وفي قلب هذا النقاش، يبرز مقترح رفع عدد نواب الأمة داخل مجلس النواب، وهو مطلب تتبناه عدة أحزاب سياسية بدعوى توسيع المشاركة وضمان تمثيلية أوسع للفئات الاجتماعية المختلفة، فيما يرى منتقدوه أن الخطوة لا تعدو أن تكون تضخيمًا برلمانيًا ستكون له كلفة مالية وسياسية غير مضمونة النتائج.


المعطيات المتوفرة تفيد أن مذكرات الأحزاب، التي يجري إعدادها لعرضها على وزارة الداخلية، تحمل تقريبًا مطلبًا مشتركًا يتمثل في الزيادة في عدد المقاعد البرلمانية. بالنسبة للمدافعين عن هذه الخطوة، فإنها وسيلة لإعطاء مساحة أكبر للشباب والنساء، وأيضًا لمغاربة العالم الذين يطالبون بتمثيلية مباشرة داخل المؤسسة التشريعية. ويبلغ عدد أعضاء المجلس حاليًا ثلاثمائة وخمسة وتسعين نائبًا، انتخبوا وفق نمط الاقتراع باللائحة.

منذ أول انتخابات تشريعية في المغرب سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وستين، لم يتوقف عدد النواب عن الارتفاع. ففي الولاية الأولى، اقتصر العدد على مئة وأربعة وأربعين نائبًا فقط، قبل أن يرتفع إلى مئتين وأربعين خلال الولاية الثانية مطلع السبعينيات. وفي أواخر السبعينيات، بلغ العدد مئتين وأربعًا وستين، ليقفز في منتصف الثمانينيات إلى ثلاثمائة وستة. ثم سجل الرقم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين منتصف التسعينيات، قبل أن يستقر لاحقًا عند ثلاثمائة وخمسة وعشرين. ومع دستور ألفين وأحد عشر، تم تحديد العدد في ثلاثمائة وخمسة وتسعين نائبًا، وهو السقف الحالي المعمول به.

غير أن خبراء السياسة والقانون لا يتفقون بالضرورة مع الطرح الحزبي. الدكتور عبد العزيز قراقي، نائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، ذهب حد وصف مقترح الزيادة بـ “قمة السخرية السياسية”. بالنسبة له، المطلوب ليس إضافة كراسٍ جديدة داخل القاعة البرلمانية، بل إرساء معنى حقيقي لدور النائب عبر التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. كما تساءل عن جدوى رفع العدد في وقت يسجل فيه غياب متكرر لعدد من النواب عن جلسات مهمة، تُطرح فيها قوانين استراتيجية.

وإلى جانب الاعتراض السياسي، تثار مخاوف مالية واضحة. فكل نائب جديد يعني مزيدًا من التعويضات الشهرية والامتيازات المرتبطة بالتنقل والإقامة والمساعدة البرلمانية. أي أن إضافة خمسين أو ستين مقعدًا ستثقل كاهل ميزانية الدولة في ظرف اقتصادي دقيق، حيث تطالب قطاعات واسعة من المجتمع بتعزيز الإنفاق في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، بدل زيادة نفقات السياسة.

الرأي العام يتابع النقاش بكثير من التحفظ، خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثير من المواطنين عن رفضهم لأي تضخيم إضافي للمجلس. الحجة التي يتكرر طرحها هي أن البرلمان الحالي لا يعاني من قلة عددية، بل من ضعف الفعالية والمردودية. ومن ثم، فإن المطلوب ليس زيادة المقاعد، بل إلزام النواب بالحضور والقيام بمهامهم التمثيلية والرقابية على أكمل وجه.

في المقابل، تضع الأحزاب ملف مغاربة العالم في قلب النقاش، معتبرة أن تخصيص مقاعد لهم سيكون خطوة مهمة نحو إشراكهم في القرار الوطني. غير أن محللين يحذرون من أن التمثيلية ستظل شكلية إن لم يتم اعتماد آليات تصويت مباشرة في بلدان الإقامة، بدل الاكتفاء بالتصويت بالوكالة.

وبالمثل، تدفع بعض القوى السياسية باتجاه تعزيز تمثيلية النساء والشباب، لكن أصواتًا أكاديمية ترى أن اللائحة الوطنية لم تثبت جدواها، بل كرست في كثير من الأحيان منطق الريع السياسي. هؤلاء يعتبرون أن التمكين الحقيقي يمر عبر التنافس الفعلي في الدوائر الانتخابية، وليس عبر مقاعد مضمونة مسبقًا.

المعطيات الديموغرافية الجديدة، التي ستكشف عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، تفرض بدورها إعادة التفكير في التقطيع الانتخابي وفي تمثيلية مختلف الشرائح. فالأحزاب مطالبة بأن تعكس لوائحها تركيبة المجتمع من حيث الأعمار والتوزيع الجغرافي والأنماط الاجتماعية.

المراقبون يجمعون على أن وزارة الداخلية ستكون الفاعل المحوري في النقاش المقبل، وأن الحسم النهائي سيأتي من خلال توافقات بين القوى السياسية. والسيناريوهات المطروحة تبقى مفتوحة بين الاستجابة للمطلب الحزبي، أو الإبقاء على العدد الحالي، أو اعتماد صيغة وسطية توازن بين هاجس التمثيلية وترشيد النفقات وضمان الفعالية البرلمانية.

وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات، يبقى السؤال معلقًا: هل يقود النقاش حول رفع عدد النواب إلى إصلاح انتخابي يعزز الثقة في المؤسسات، أم يقتصر على تعديل تقني يزيد من أعباء السياسة دون مردودية حقيقية؟ الجواب ستكشفه صناديق الاقتراع في خريف ألفين وستة وعشرين.

تعليقات