غوتيريش يحذر من مأساة إنسانية بمخيمات تندوف والمغرب يجدد التأكيد على الحكم الذاتي

كشف التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش، المقدم إلى الدورة الثمانين للجمعية العامة، عن صورة قاتمة للأوضاع في مخيمات تندوف الواقعة جنوب الجزائر، مؤكداً أن الأزمة الإنسانية هناك بلغت مستويات خطيرة، نتيجة تقليص المساعدات الدولية واستمرار غياب حل سياسي ينهي النزاع المفتعل حول الصحراء.


ظروف معيشية قاسية
التقرير الأممي أوضح أن آلاف اللاجئين الصحراويين يعيشون في أوضاع مأساوية داخل المخيمات الخمسة، وهي: أوسرد، بوجدور، الداخلة، العيون والسمارة. هذه المخيمات التي أُنشئت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي تحولت إلى بؤر للمعاناة الطويلة الأمد، في ظل هيمنة جبهة "البوليساريو" ورفض الجزائر إجراء إحصاء رسمي لساكنتها، على الرغم من مطالبة الأمم المتحدة المتكررة.
الفجوة التمويلية لبرامج الدعم الإنساني بلغت هذه السنة حوالي مائة وثلاثة ملايين وتسعمائة ألف دولار، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قطاعات أساسية مثل الغذاء والمياه والتعليم والصحة.
الاستقصاءات الميدانية التي استند إليها التقرير كشفت عن أرقام مثيرة للقلق: معدل سوء التغذية الحاد وصل إلى حوالي ثلاثة عشر في المائة، فيما تجاوز معدل التقزم بين الأطفال نسبة ثلاثين في المائة. هذه المعطيات الصادمة تعكس هشاشة الوضع الصحي وتكشف فشل السلطات الجزائرية في توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، رغم استغلالها السياسي للقضية على الساحة الدولية.

مأساة بلا حل سياسي

الأمين العام للأمم المتحدة شدد على أن استمرار هذه الأوضاع مرتبط بغياب حل سياسي عادل ونهائي. ففي الوقت الذي يطرح المغرب منذ سنة ألفين وسبعة مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الجدي والواقعي الوحيد، يواصل خصوم الوحدة الترابية للمملكة التمسك بمواقف جامدة تُبقي آلاف الأبرياء رهائن للمساعدات الخارجية.
وأشار التقرير أيضاً إلى استمرار تعليق تدابير بناء الثقة ولمّ شمل العائلات، الأمر الذي يفاقم المعاناة الإنسانية ويطيل فراق الأسر الصحراوية، وهي ممارسات تستغلها "البوليساريو" في دعايتها السياسية.

الموقف المغربي
المملكة المغربية أكدت غير ما مرة، على لسان جلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن قضية الصحراء هي جوهر الوحدة الوطنية وأولوية الأولويات. فالمغرب يواصل التزامه بالمسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، مع رفض أي مقترحات تمس بسيادته على أقاليمه الجنوبية.
وفي الوقت الذي يعيش فيه سكان المخيمات تحت وطأة ظروف قاسية، تشهد مدن الصحراء المغربية مثل العيون والداخلة وبوجدور والسمارة دينامية تنموية متسارعة، حيث تحولت إلى مراكز جذب للاستثمار بفضل مشاريع البنية التحتية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والطرق السريعة والطاقات المتجددة.

الجزائر أمام مسؤولياتها
تقرير غوتيريش أعاد تسليط الضوء على دور الجزائر في إدامة النزاع، فهي تحتضن مخيمات تندوف على أراضيها لكنها ترفض تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، وتمنع إحصاء اللاجئين في خرق واضح للقانون الدولي. وحتى مساهمتها الجزئية لتعويض النقص في المساعدات لا تخفي حقيقة استغلالها السياسي للقضية عبر دعم "البوليساريو" ضد المغرب، فيما يبقى اللاجئون الضحايا الرئيسيين لهذا الصراع.

مخاطر الألغام والبعد الأمني
التقرير الأممي خصص حيزاً لجهود بعثة "المينورسو" في مجال مكافحة الألغام، مشيراً إلى أنها واصلت عملياتها بين الأول من يوليوز ألفين وأربعة وعشرين و الثلاثين من يونيو ألفين وخمسة وعشرين. وقد شملت هذه الجهود تطهير مساحة واسعة تجاوزت مليوناً وثلاثمائة وخمسة وثمانين ألفاً وخمسمائة وثمانية وخمسين متراً مربعاً، إضافة إلى العثور على ثلاثمائة وخمسة وثلاثين قطعة من الذخائر المتفجرة وتدميرها. هذه الأرقام تؤكد استمرار المخاطر الأمنية التي تهدد المدنيين شرق الجدار الرملي، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود في غياب أي رقابة فعلية من السلطات الجزائرية.

دلالات سياسية ودبلوماسية
القراءة المتأنية للتقرير الأممي تبرز ثلاث نقاط أساسية لصالح المغرب:
أولاً، الاعتراف باستمرار هشاشة الوضع الإنساني داخل مخيمات تندوف، ما يفضح مسؤولية الجزائر و"البوليساريو".
ثانياً، التأكيد على أن غياب الحل السياسي هو السبب المباشر للمأساة، وهو ما يضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صدارة الحلول.
ثالثاً، الدعوة الضمنية إلى تدخل فاعلين جدد من القطاع الخاص والجهات المانحة لتغطية العجز، وهو ما يعكس فقدان الثقة في قدرة الجزائر و"البوليساريو" على إدارة الملف.

المغرب خيار الاستقرار
في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كقوة إقليمية عبر التنمية المستدامة ومبادراته الإنسانية والدبلوماسية، ما يجعل من الصحراء المغربية فضاءً واعداً للاستثمار والاستقرار، في وقت تغرق فيه مخيمات تندوف في أزمات إنسانية خانقة.

إن رسالة تقرير غوتيريش واضحة: استمرار معاناة سكان تندوف لن ينتهي إلا بحل سياسي واقعي، وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. حل يؤكد يوماً بعد يوم أنه الخيار الوحيد الكفيل بإنهاء النزاع وضمان الكرامة والعيش الكريم لآلاف الصحراويين.

تعليقات