أعلنت السلطات القضائية المغربية عن دخول القانون رقم 43.22 الخاص بالعقوبات البديلة حيّز التنفيذ ابتداءً من يوم الجمعة 22/08/2025، وذلك بعد صدور المرسوم التطبيقي رقم 2.25.386. ويأتي هذا القانون بعد انتظار طويل، ليشكل خطوة مهمة في إصلاح العدالة الجنائية بالمغرب، من خلال تقديم بدائل للعقوبات السجنية التقليدية وتقليص الضغط على المؤسسات السجنية.
ويهدف القانون الجديد إلى معالجة ثلاث إشكاليات رئيسية: الاكتظاظ داخل السجون، الكلفة المالية المترتبة على الدولة، والتكلفة الاجتماعية على المحكوم عليهم وأسرهم. وأظهرت الإحصائيات الرسمية أن نسبة العقوبات قصيرة المدة تمثل نحو 44.79% من مجموع المحكومين، مما جعل المؤسسات السجنية المغربية تواجه ضغطاً متزايداً على بنيتها البشرية والمادية.
السياق القانوني
القانون رقم 43.22 تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان المغربي سنة 2024، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7308 بتاريخ 22/07/2024. ثم صادقت الحكومة على المرسوم التطبيقي في 22/05/2025، ما مكن القانون من التطبيق الرسمي ابتداءً من 22/08/2025.
ويعتبر القانون خطوة نوعية في السياسة الجنائية المغربية، حيث يقدم بدائل للعقوبات السالبة للحرية تتماشى مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان، مع التركيز على إعادة الإدماج الاجتماعي للمحكوم عليهم.
بدائل العقوبات السجنية
ينص القانون على أربع آليات رئيسية يمكن اعتمادها كبدائل للعقوبات السجنية، بشرط ألا تتجاوز العقوبة الأصلية خمس سنوات حبسا:
1. العمل لفائدة المنفعة العامة: يتيح للمحكوم عليه أداء عمل غير مأجور لصالح مؤسسات عمومية أو جمعيات نفع عام، لمدة تتراوح بين 40 ساعة و3600 ساعة، مع تنفيذ العقوبة خلال 6 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، مع مراعاة مؤهلات وظروف المحكوم عليه.
2. المراقبة الإلكترونية: تتيح تتبع حركة المحكوم عليه إلكترونياً لتقييد تنقله وضمان التزامه بالضوابط، مع تحديد مدة ومكان المراقبة وفق ظروفه العائلية والمهنية وسلامة الضحايا.
3. الغرامة اليومية: يفرض على المحكوم عليه دفع مبلغ يتراوح بين 100 و2000 درهم عن كل يوم من مدة العقوبة الحبسية الأصلية، مع مراعاة الوضعية المالية والخطر الناتج عن الجريمة، ولا تُطبق إلا في حال وجود صلح أو تعويض للضرر.
4. تقييد بعض الحقوق أو التدابير العلاجية والتأهيلية: تشمل إلزام المحكوم عليه بمتابعة تكوين مهني أو دراسة، أو منعه من ارتياد أماكن محددة، أو إلزامه بالإقامة في مكان معين، إضافة إلى العلاج النفسي أو من الإدمان، والالتزام بعدم الاتصال بالضحايا.
الجرائم المستثناة
رغم توسع قائمة البدائل، استثنى القانون مجموعة من الجرائم الخطيرة، مثل: الإرهاب، الجرائم المرتبطة بأمن الدولة، الفساد المالي، غسل الأموال، الجرائم العسكرية، الاتجار الدولي في المخدرات والمؤثرات العقلية، الاتجار في الأعضاء البشرية، والاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعية إعاقة.
التحديات والرهانات
رغم قيمته الإصلاحية، يواجه القانون عدة تحديات: التنزيل الميداني للنصوص، توفير الموارد البشرية واللوجستية للمراقبة والمتابعة، وضمان النزاهة والصرامة في التنفيذ.
وأكد وزير العدل السابق مصطفى الرميد أن نجاح القانون رهين بالتزام القضاء والنيابة العامة والإدارة السجنية بالتنفيذ الصارم، مع تجنب أي تواطؤ أو اختلال إداري.
نموذج عملي للتنزيل
أصدرت محكمة أكادير الابتدائية يوم 22/08/2025 أول حكم بالعقوبات البديلة في قضية تتعلق بالسكر العلني والسياقة في حالة سكر.
المحكمة برأت المتهم من تهمة الاتجار في المشروبات الكحولية، وأدانت بقية التهم، وحكمت عليه بشهرين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 500 درهم.
كما قررت استبدال العقوبة الحبسية بغرامة يومية قدرها 300 درهم عن كل يوم، ليصل المجموع إلى 18,000 درهم، في سابقة قضائية تؤكد تطبيق القانون عملياً.
يقف المغرب اليوم عند مرحلة جديدة من الإصلاح الجنائي، تجمع بين ردع الجريمة وحماية المجتمع من جهة، وإتاحة فرصة إعادة الإدماج الاجتماعي للمحكوم عليهم من جهة أخرى.
يبقى نجاح القانون رهيناً بجودة التنفيذ وصدق التزام جميع الفاعلين القضائيين والأمنيين والإداريين.
إنها بداية تجربة قد تصبح نموذجاً رائداً على الصعيد الإقليمي والدولي، إذا ما أحسن تنزيلها على الأرض.