المسيرة الخضراء.. من ملحمة التحرير إلى نموذج الدولة المتكاملة

قبل خمسين عاماً، وتحديداً في السادس من نونبر سنة ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، انطلقت من مدينة أكادير شرارة واحدة من أعظم المحطات الوطنية في تاريخ المغرب الحديث، حين أعلن جلالة الملك الراحل الحسن الثاني انطلاق المسيرة الخضراء السلمية، التي جمعت ثلاثمئة وخمسين ألف مغربي ومغربية، في مشهد حضاري فريد جسّد تلاحم العرش والشعب في سبيل استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى حضن الوطن. كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد حدث سياسي، بل ميلاد رؤية استراتيجية جديدة تُرسّخ مبدأ السيادة بالوحدة والإيمان، لا بالحروب والاقتتال.

ومع مرور العقود، تحوّلت المسيرة الخضراء إلى مشروع دولة متكامل، صاغ معالمه جلالتا الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس، لتصبح الأقاليم الجنوبية اليوم ركيزة من ركائز التنمية الوطنية. فقد أكد الملك محمد السادس أن «المسيرة الخضراء ليست مجرد ذكرى وطنية، بل مسيرة متواصلة بالعمل لترسيخ مغربية الصحراء، وجعلها قاطرة للتنمية القارية».

تجلّت هذه الرؤية في إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي يهدف إلى تحويل الصحراء المغربية إلى فضاء مزدهر ومتصّل بباقي جهات المملكة. من أبرز منجزاته الطريق السريع بين تزنيت والداخلة، الذي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر، والمشاريع الصناعية الكبرى في العيون وفم الواد، إلى جانب الموانئ الجديدة، والمستشفيات الجامعية، والمناطق اللوجستية، ما جعل هذه الأقاليم بوابة حيوية نحو إفريقيا.

اقتصادياً، شهد المغرب طفرة استثمارية غير مسبوقة، إذ بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة ثلاثة وأربعين ملياراً وثمانمئة مليون درهم سنة ألفين وأربعة وعشرين، بزيادة تفوق تسعةً وثلاثين في المائة خلال سنة ألفين وخمسة وعشرين. كما تمت المصادقة على مشاريع تفوق قيمتها أربعمئة وأربعة عشر مليار درهم، لتوفير أكثر من مئة وتسعة وسبعين ألف منصب شغل.

دبلوماسياً، كرّس المغرب موقعه الدولي من خلال اعتماد القرار الأممي رقم 2797 في الواحد والثلاثين من أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين، الذي منح شرعية كاملة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة إلى أكتوبر ألفين وستة وعشرين، في خطوة وُصفت بأنها انتصار تاريخي للديبلوماسية المغربية.

لقد أصبحت المسيرة الخضراء اليوم رمزاً لوحدة الوطن ونضجه السياسي، ومشروعاً مستمراً للنهضة والتنمية. إنها ملحمة تحوّلت من عبور الرمال إلى عبور المستقبل، ومن استرجاع الأرض إلى بناء الإنسان. ويبقى التحدي الأكبر هو استمرار هذا الزخم التنموي، وتحقيق العدالة المجالية، حتى تظل الأقاليم الجنوبية منارة للسيادة والوحدة والتقدم في المملكة المغربية.

 



تعليقات