الداخلية تُطلق إصلاحات انتخابية جريئة قبل انتخابات 2026 لتعزيز الشفافية وتمكين الشباب

في خطوة تشريعية جديدة تستبق الاستحقاقات الانتخابية لسنة ألفين وستة وعشرين، كشفت وزارة الداخلية المغربية عن حزمة من القوانين التنظيمية تهدف إلى إعادة ضبط قواعد الترشح لمجلس النواب، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء، ومحاربة كل أشكال التلاعب بالتزكيات وتمويل الحملات الانتخابية.

الوزير عبد الوافي لفتيت، وخلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، قدّم تفاصيل دقيقة حول مشاريع القوانين الثلاثة التي تمس جوهر العملية الانتخابية والحياة الحزبية بالمغرب. وأوضح أن الهدف الأساسي هو “إرساء قواعد جديدة لتخليق الممارسة السياسية وضمان شفافية الترشيحات، عبر تمكين الشباب من دعم فعلي وعادل يضمن لهم الحضور داخل المؤسسة التشريعية”.

مشروع القانون التنظيمي رقم ثلاثة وخمسون فاصلة خمسة وعشرون، المتعلق بمجلس النواب، خصص تمويلاً خاصاً لفئة الشباب المتراوحة أعمارهم دون الخامسة والثلاثين، سواء كانوا حزبيين أو مستقلين. إذ ستتحمل الدولة ما يصل إلى خمسة وسبعين في المائة من مصاريف حملاتهم الانتخابية، شريطة إثباتها بحسابات مدققة ومعتمدة من خبير محاسب، ما يعكس حرص الحكومة على ترسيخ مبدأ المساواة والشفافية في الدعم العمومي.

لفتيت شدد على أن هذا التمويل لن يكون بأي حال “ريعاً انتخابياً”، بل آلية لتحفيز مستحقيه على أساس الكفاءة والاستحقاق. كما ألزم القانون الجديد المرشحين المستقلين بإيداع حساباتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات قبل صرف أي مساهمة مالية من الدولة، باعتبارها أموالاً عمومية تخضع للرقابة الدقيقة.

في المقابل، ركّز مشروع القانون التنظيمي رقم ثلاثة وخمسون فاصلة أربعة وعشرون على ضبط مسطرة التزكيات الحزبية، بعد أن أفرزت التجارب السابقة حالات من التراجع أو السحب في اللحظات الأخيرة. وينص المشروع على أن أي تزكية حزبية تصبح نهائية بمجرد تسجيلها إلكترونياً، بهدف إضفاء الجدية على الترشيحات وحماية مصداقية الأحزاب أمام الناخبين.

أما في ما يتعلق بتخليق الحياة السياسية، فقد جاء القانون رقم خمسة وعشرون فاصلة ثلاثة وعشرون ليشدد الشروط القانونية والأخلاقية للمترشحين، مانعاً كل شخص متابع قضائياً أو صادر في حقه حكم جنائي من خوض غمار الانتخابات. كما تم رفع العقوبات الانتخابية إلى الضعف، ومنع المنتخبين المعزولين من الترشح لمدتين متتاليتين.

من جهة أخرى، حملت التعديلات على القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، رقم أربعة وخمسون فاصلة خمسة وعشرون، تصوراً جديداً لتأسيس التنظيمات الحزبية. فقد تم رفع عدد الأعضاء المؤسسين إلى ألفي عضو موزعين على مختلف جهات المملكة، مع إلزام بأن يشكل الشباب والنساء خُمس هذا العدد على الأقل. الهدف من ذلك، وفق لفتيت، هو “ضمان امتداد وطني جدي للأحزاب، ودفعها إلى استقطاب كفاءات قادرة على تأطير المواطنين والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة”.

ولتعزيز الشفافية، فرض المشروع إجراءات جديدة، منها إرفاق ملفات التأسيس بالسجلات العدلية للأعضاء المؤسسين، ومدد آجال دراسة الملفات إلى خمسة وأربعين يوماً، مع منع الإعلان الإعلامي عن تأسيس أي حزب قبل حصوله على الصفة القانونية ونشره في الجريدة الرسمية.٧

مجمل هذه الإجراءات، كما أوضح وزير الداخلية، تأتي في إطار رؤية شمولية تروم “رفع جودة المشهد السياسي الوطني، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وبناء برلمان أكثر مصداقية وتمثيلية”.

وبينما يرى المتتبعون أن النصوص المقترحة تحمل نفساً إصلاحياً واعداً، فإن الرهان الأكبر يظل في التنفيذ الميداني، لضمان أن تتحول هذه القوانين من مجرد تعديلات تشريعية إلى ممارسة سياسية نزيهة وفعالة، تمهّد لانتخابات نوعية تعكس طموحات المغاربة في مزيد من الشفافية والديمقراطية.



تعليقات