لفتيت يعلن نهاية زمن الفساد: لا أحد فوق المحاسبة

في الرباط، أثار وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت موجة واسعة من الجدل بعد تصريحاته الحازمة حول محاسبة المتورطين في اختلاس أراضي وأموال الجماعات الترابية. جاء ذلك خلال جلسة مناقشة ميزانية وزارة الداخلية أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، حيث شدد الوزير على أن زمن التساهل مع من يعبث بالمال العام قد ولى، وأن أي استحواذ على أراضٍ جماعية أو اختلاس حتى درهم واحد لن يُغتفر.

وقال لفتيت بصراحة شديدة: «اللي دا شي أرض في ملكية الجماعة، سوف نحاسبه، ومن أخذ أرضا ليست له عليه أن يعيدها… ومن أخذ درهما واحدا ديال الجماعة الترابية ليس له، فمن الأفضل له أن يعيده… يردو بالخاطر أمين… أو غادي يردو بزز منو». وأكد أن الوزارة لن تسمح بالاستحواذ على متر مربع واحد من أراضي الجماعات. هذه التصريحات أعادت التأكيد على تشديد المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فيما كشف الوزير عن فتح تحقيقات في الدار البيضاء ومدن أخرى لضبط المخالفات ومتابعة المتورطين.

وفي الوقت الذي أثنى فيه الوزير على المنتخبين النزهاء والأتقياء الذين يعملون بروح وطنية عالية، انتقد فئة أخرى قليلة العدد لا تساعد السلطات ولا تتعاون في استرجاع الحقوق الجماعية عبر المساطر القضائية، ما يعرقل جهود الإصلاح.

وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن المفتشية العامة للإدارة الترابية واصلت تعزيز آليات المراقبة والافتحاص خلال سنة ألفين وخمس وعشرين، حيث أنجزت 143 مهمة واتخذت 84 إجراءً، منها 44% إحالات على المحاكم، 23% للمحاكم الإدارية، 15% ذات صبغة جنائية و6% إحالات على المجالس الجهوية للحسابات. كما أوضح التقرير أن 80 مهمة تتعلق باختلالات في تدبير شؤون بعض الجماعات، و57 مهمة في مجال تدخل الإدارة الترابية، فيما شملت مهام التدقيق المالي 30 مهمة على الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات المحلية.

وأضاف التقرير أن الإجراءات بعد التفتيش تراوحت بين توصيات تقويمية بنسبة 37%، إحالات على المحاكم الإدارية 23%، إحالات على النيابة العامة 15%، و6% إحالات على المجالس الجهوية للحسابات لمعالجة مخالفات التأديب المتعلقة بالميزانية والشؤون المالية. وأوضح أن نوعية الإجراءات تختلف حسب جسامة الخروقات، فالمخالفات البسيطة تُعالَج بالتوصيات، فيما تُحال الملفات الخطيرة أو الجنائية على القضاء لضمان عدم الإفلات من العقاب.

ولم تقتصر مهام المفتشية على التفتيش المالي، بل شملت أيضاً دراسة الشكايات والتظلمات من المواطنين عبر البوابة الوطنية أو من خلال العمالات والولايات والسفارات، بالتنسيق مع مؤسسة وسيط المملكة. كما تضطلع المفتشية بمهام موضوعاتية بتكليف من وزير الداخلية أو بناءً على خلاصات التقارير الرقابية السابقة، وفي إطار اتفاقيات مع مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، لقياس مؤشرات الحكامة المالية وتقييم مدى التزام الجماعات بالقوانين.

ويقول متابعون إن تصريحات الوزير ترسم مرحلة جديدة من الصرامة في مواجهة الفساد المحلي، وتبعث رسالة واضحة بأن الدولة لن تتسامح مع أي استغلال للمال العام أو الأراضي الجماعية. ورأى فاعلون حقوقيون أن الخطاب يمثل فرصة لتطهير الحقل الجماعي من المفسدين، مطالبين بفتح تحقيقات ميدانية وإيفاد لجان تفتيش للجماعات التي ظلت بعيدة عن الرقابة.

ويرى الباحث عبد الرحيم أضاوي أن تشديد المراقبة وتفعيل المساءلة القانونية من شأنه الحد من الاختلالات، مؤكداً أن تصريحات لفتيت تعكس إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للمال العام وضمان تدبير شفاف يواكب متطلبات التنمية المحلية. وبين التحذير والمساءلة، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة جديدة في إدارة الشأن المحلي، عنوانها الصرامة والشفافية، بهدف ترسيخ الثقة في المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يبقى أي درهم أو متر من أملاك الجماعات خارج دائرة القانون.
تعليقات