لقجع: المالية العمومية إرث وطني ومسار مستمر نحو العدالة الاجتماعية

في جلسة عمومية مخصصة لمناقشة الجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة ألفين وستة وعشرين، قدّم الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عرضاً مفصلاً حول الوضعية المالية العمومية للمملكة، مؤكدًا على أن ما تحقق من مكتسبات مالية واجتماعية ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مسار متواصل يشمل الحكومات السابقة والحالية، ويجب الحفاظ عليه باعتباره إرثًا وطنيًا يشترك في حمايته كل من الأغلبية والمعارضة لصالح المواطن المغربي.

وأشار لقجع إلى أن مشروع قانون المالية الجديد ينسجم تمامًا مع الاختيارات الملكية، ويستند إلى رؤية متوازنة بين ما هو اقتصادي واجتماعي، في إطار المشروع التنموي الذي يقوده الملك محمد السادس منذ أكثر من عقدين، ويضع الإنسان في صلب السياسات العمومية. وأكد الوزير أن هذه السياسات لم تأتِ فجأة، بل هي امتداد لمسار طويل بدأ ببرنامج "الراميد"، الذي شكّل تجربة أولى في مجال التغطية الصحية قبل تعميم النظام الجديد الذي يتيح لملايين المغاربة الاستفادة من التغطية الصحية الإجبارية، إضافة إلى الإعانات المباشرة، وإصلاح نظام التعويض عن فقدان الشغل، وتوسيع قاعدة المستفيدين من أنظمة التقاعد لضمان عيش كريم للفئات العاملة على مدى سنوات.

وبالأرقام، أوضح الوزير أن الحكومة نقلت إحدى عشرة مليون مواطن من نظام "الراميد" إلى نظام التغطية الصحية الإجبارية بتكلفة تجاوزت عشرة مليارات درهم، بينما تم توجيه أكثر من خمسة وثلاثين مليار درهم كدعم مباشر للأسر المغربية ضمن السياسة الاجتماعية الجديدة، مشددًا على أن هذه الإجراءات تمثل مرحلة جديدة تتطلب متابعة مستمرة وتصحيحًا لضمان العدالة الاجتماعية. وأقر الوزير بأن بعض الفئات لم تستفد بعد من هذه البرامج، مرجعًا ذلك إلى ضعف ثقافة الانخراط في التأمين الصحي وخروج البعض من قطاعات مثل الفلاحة والحرف اليدوية، الأمر الذي يستدعي تحديث البيانات الإحصائية وتحسين آليات التوجيه نحو الأنظمة المناسبة.

وتطرّق لقجع إلى مشروع قانون المالية، مؤكدًا تخصيص دعم مالي استثنائي لقطاعي التعليم والصحة، مشيرًا إلى أن المبلغ المخصص لهذين القطاعين، وهو مائة وأربعون مليار درهم، يعكس خيارًا سياسيًا واضحًا للاستثمار في الإنسان، ويهدف إلى تحسين العرض الصحي والتربوي، والحد من الاكتظاظ، ورفع جودة الخدمات العمومية بما يضمن العدالة بين جميع الفئات والجهات. وأضاف أن الإصلاحات الضريبية، بما في ذلك تعديل ضريبة الشركات وتوسيع الضريبة على القيمة المضافة وتعميق الاقتطاع عند المنبع، ساهمت في تعزيز الإيرادات وتحسين فعالية النظام الجبائي.

وفي ما يخص التوازن المالي، شدد الوزير على أن الحفاظ على نسبة العجز المالي شرط أساسي لاستقرار المديونية، مستعرضًا الهدف المتمثل في ضبط العجز عند ثلاثة بالمائة من الناتج الداخلي الخام وتحقيق معدل نمو مماثل. وأوضح أن هذا التوازن ضروري لضمان تمويل السياسات الاجتماعية والتنموية دون إثقال كاهل الدولة بالديون، لافتًا إلى أن الظروف المناخية الصعبة، مثل الجفاف وقلة التساقطات المطرية، فرضت جهودًا إضافية على السياسة المائية الوطنية.

واختتم لقجع حديثه بدعوة جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين إلى اعتبار المالية العمومية مسؤولية وطنية مشتركة، مؤكدًا أن الإصلاح المالي والاجتماعي ليس محطة مؤقتة، بل مسار طويل يتطلب الالتزام الجماعي، وأن المستقبل المالي للمغرب يقوم على العمل الجاد والتوافق حول المصلحة العليا للوطن. وتعكس هذه المعطيات توجه الحكومة نحو ترسيخ توازن بين الانضباط المالي والطموح الاجتماعي، في ظل قيادة حكيمة تضع التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية في قلب السياسات العمومية، بما يضمن استدامة المكتسبات وتحسين جودة حياة المواطن المغربي.



تعليقات