متابعات قضائية لصنّاع المحتوى تشعل النقاش حول حماية القيم في الفضاء الرقمي

في ظل تصاعد النقاش العمومي حول مسؤولية المحتوى الرقمي وتأثيره على القيم الاجتماعية، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من التفاعل، عقب إعلان النيابة المختصة فتح متابعات قضائية في حق عدد من صُنّاع المحتوى، على خلفية نشر مواد اعتُبرت مخالفة للأخلاق العامة وموجَّهة في بعض جوانبها إلى فئات قاصرة. هذا المستجد أعاد بقوة إلى الواجهة سؤال المسؤولية الرقمية، وموقع المجتمع والدولة في التعامل مع محتويات تُوصف بأنها تهديد مباشر للبنية التربوية والثقافية للأجيال الصاعدة.

ولم يتأخر كثير من المعلقين على منصات التواصل في اعتبار هذه المتابعات خطوة ضرورية لوضع حدّ لما يصفه البعض بـ“السفاهة الرقمية”، في إشارة إلى موجة من المحتويات التي تسعى إلى تحقيق الانتشار من خلال الصدمة والإيحاءات على حساب القيم والتربية. وذهب جزء من الرأي العام إلى التأكيد أن الأمر لم يعد مرتبطاً بحالات معزولة، بل بظاهرة آخذة في التوسع بفعل الانتشار السريع للمنصات الاجتماعية وقدرتها على التأثير في المراهقين وصغار السن.

التفاعلات الرقمية التي أعقبت القرارات القضائية الأخيرة طالبت في معظمها بصرامة أكبر تجاه كل من يستغل الفضاء الرقمي لنشر محتويات اعتُبرت مهددة للنسق القيمي، مؤكدين أن تحقيق ملايين المشاهدات يجب أن يكون مرفوقاً بمسؤولية مضاعفة، لا بامتيازات مفتوحة بلا ضوابط. ويرى كثيرون أن استمرار هذا النوع من المحتويات يفرز خطراً حقيقياً على النسيج التربوي، ويستدعي ردعاً قانونياً يوازي حجم التأثير الذي تحدثه المنصات الرقمية لدى الفئات الأكثر هشاشة.

وفي هذا السياق، اعتبرت رئيسة منظمة “متقيش ولدي”، نجاة أنوار، أن ما يجري اليوم يعكس “صحوة حقيقية” تجاه مخاطر بعض المحتويات المتداولة رقمياً، مشيرة إلى أن المجتمع والدولة أصبحا أكثر يقظة إزاء ترك الفضاء الرقمي بلا رقابة. وشددت على أن حماية القاصرين “خط أحمر لا يسمح بتجاوزه”، معتبرة أن أي استعمال للمحتوى الرقمي لتطبيع الانحراف أو التأثير سلباً على الأطفال يجب أن يُجابَه بحزمٍ واضح.

وأكدت أنوار أن الردع القانوني عنصر أساسي لكنه غير كافٍ في غياب مقاربات موازية تشمل التربية الرقمية داخل المدارس، وتعزيز دور الأسرة، ومطالبة المنصات الاجتماعية بالتحمل الكامل لمسؤولياتها. واعتبرت أن العقوبات الواضحة والردعية تبعث رسالة مفادها أن الطفولة ليست فضاءً مباحاً للاستغلال أو التشويه بدعوى الترفيه.

من جانبه، قدّم عالم الاجتماع أحمد شراك قراءة تحليلية لهذه الظاهرة، مشدداً على أن مواجهة المحتوى الهابط لا ينبغي أن تنحصر في المقاربة القانونية أو الأمنية فقط، بل عبر بناء خطاب فكري مضاد يكشف هشاشة هذا النوع من الإنتاجات الرقمية. وأوضح أن الأفكار لا تواجه إلا بأفكار، وأن الخطابات المنفلتة تحتاج إلى منظومة فكرية مضادة تحترم في الآن ذاته حرية التعبير ضمن حدودها التي لا تمس القيم العامة.

وأشار شراك إلى أن بعض ما ينشر اليوم يدخل ضمن ما يسميه البعض بـ“عصر التفاهة”، حيث تنتشر مضامين ضعيفة اللغة وصادمة أحياناً، تستهدف فئات صغيرة السن وتساهم في إضعاف العلاقات التربوية داخل الأسرة. واعتبر أن الخطر يتضاعف حين يتحول صناع هذا المحتوى إلى نماذج تحتذي بها فئات من الجمهور، في غياب وعي نقدي قادر على التمييز.

وفي خضم هذا الجدل، يبرز السؤال المحوري حول كيفية تحقيق توازن بين حماية حرية التعبير من جهة، وحماية المجتمع والقاصرين من المحتويات المحرضة على الانحراف من جهة أخرى. ويرى الخبراء أن بناء سياسة وطنية للتربية الرقمية بات ضرورة ملحة، تنطلق من المدرسة وتستمر عبر الأسرة، وتشمل تعاوناً مباشراً مع المنصات العالمية لفرض احترام الخصوصيات الثقافية.

وبين المسار القضائي الجاري والنقاش المجتمعي المتصاعد، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة جديدة في التعامل مع التحديات الرقمية، مرحلة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الحزم والتربية، وتضمن فضاءً رقمياً آمناً ومسؤولاً يحفظ القيم ويحمي الأجيال الصاعدة.
تعليقات