تخلّد المملكة المغربية اليوم الذكرى السبعين لعيد الاستقلال، وهي محطة مفصلية تستعيد من خلالها البلاد واحدة من أهم صفحات تاريخها الحديث. ذكرى تعكس حجم التضحيات التي قدّمها الشعب المغربي دفاعاً عن حريته، وتبرز متانة الارتباط بين العرش والشعب، باعتباره أساساً في ترسيخ السيادة الوطنية وبناء الدولة الحديثة.
شهدت العقود الأولى من القرن الماضي بزوغ الحركة الوطنية التي لعبت دوراً مركزياً في شحذ الوعي الجماعي وبلورة مطالب الاستقلال، في وقت كانت فيه البلاد ترزح تحت وطأة نظام الحماية الفرنسية والإسبانية. وقد شكلت زيارة الملك محمد الخامس لمدينة طنجة سنة 1947 لحظة حاسمة في مسار الكفاح الوطني، إذ أعلن خلالها تمسك المغرب بحقّه المشروع في الاستقلال، موجهاً رسائل سياسية قوية إلى المجتمع الدولي، ومؤكداً أنّ إرادة الشعب والعرش متحدة في مواجهة الضغوط الاستعمارية.
تواصل هذا الزخم الوطني رغم تشديد المستعمر لإجراءاته القمعية، ولاسيما بعد نفي الملك محمد الخامس وأسرته إلى مدغشقر سنة 1953. لكن حدث النفي، الذي كان يهدف إلى إخماد الحركة الوطنية، تحوّل إلى شرارة لتصعيد المقاومة الشعبية في مختلف المدن والقرى، حيث برزت معارك ومواجهات شكلت منعطفاً في مسار التحرر، وصولاً إلى اندلاع ثورة الملك والشعب في غشت 1953، التي أكدت عمق تلاحم الأمة وفاعلية العمل الوطني المشترك.
وفي الثامن عشر من نونبر 1955، عاد الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن، معلناً بداية مرحلة جديدة من تاريخ المغرب، تُوجت في الثاني من مارس 1956 بإعلان الاستقلال، إيذاناً بانتهاء عهد الحماية وبداية البناء المؤسساتي للدولة الحديثة. وقد انطلقت مباشرة بعد هذه المرحلة أوراش إصلاحية شملت التعليم والإدارة والاقتصاد، بهدف وضع أسس مجتمع متماسك قادر على مواجهة تحديات العصر.
ومع اعتلاء الملك الحسن الثاني العرش، استمر العمل الوطني على مسار استكمال الوحدة الترابية وتعزيز مؤسسات الدولة. وقد شكلت المسيرة الخضراء في نونبر 1975 محطة بارزة أعادت للمغرب أقاليمه الجنوبية بطريقة سلمية حضارية، لترسخ بذلك نموذجاً في الدفاع عن الوحدة الوطنية. كما عمل الحسن الثاني على توسيع أوراش التنمية وتحديث الهياكل المؤسساتية للدولة.
وفي العهد الحالي، يواصل الملك محمد السادس نهج الإصلاح والتحديث من خلال مشاريع كبرى في البنية التحتية والتنمية البشرية والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي. وقد تبنت المملكة رؤية استراتيجية تجعل المواطن محور السياسات العمومية، وتعمل على تعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً، عبر دبلوماسية نشطة وشراكات اقتصادية واسعة.
ولا يمثل الاحتفال بعيد الاستقلال مجرد استحضار للماضي، بل هو مناسبة للتأكيد على أنّ مسيرة البناء لا تزال مستمرة، وأن الحفاظ على مكتسبات الأمة يقتضي ترسيخ قيم المواطنة والعمل والتماسك الوطني. فالتحديات المعاصرة لا تقل أهمية عن التحديات التي واجهها المغاربة في زمن المقاومة والتحرر.
وهكذا، تأتي الذكرى السبعون لعيد الاستقلال لتؤكد أن ما تحقق من مكتسبات هو ثمرة نضال طويل، وأن مسيرة التنمية التي تعرفها المملكة اليوم هي امتداد طبيعي لروح الكفاح التي ميزت أجيالاً متعاقبة من أبناء الوطن.