الرباط تحتضن أول مؤتمر قاري لضحايا الإرهاب وتضعهم في قلب السياسات الإفريقية

في الرباط، شهدت المملكة المغربية اليوم افتتاح أول مؤتمر قاري مخصص لضحايا الإرهاب في إفريقيا، تحت رئاسة ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وبحضور وفود إفريقية ودولية، وبدعم من مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. ويأتي هذا المؤتمر في وقت حرج تواجه فيه القارة الإفريقية تحديات أمنية غير مسبوقة، حيث باتت مكافحة الإرهاب تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الجانب الأمني لتشمل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية.


أكد بوريطة في كلمته الافتتاحية أن الهدف من هذا التجمع هو وضع ضحايا الإرهاب في محور السياسات الإفريقية، وتحويل التعاطف إلى إجراءات ملموسة، والتضامن إلى برامج وسياسات عملية، وذلك "من خلال العدالة والتعافي والقدرة على الصمود". وأوضح الوزير أن الاستماع إلى شهادات الضحايا أمر ضروري، فهي تمثل مادة معرفية وإنسانية وسياسية تساعد على فهم أبعاد العنف وتأثيراته، وليس مجرد سرد مأساوي.

وأشار الوزير إلى ثلاث مقاربات رئيسية لتعزيز دور الضحايا في السياسات القارية. الأولى، إعادة الاعتبار للضحايا والناجين عبر الاستماع إليهم ومنحهم صوتاً فعالاً في جهود مكافحة الإرهاب. الثانية، تبني مقاربة شمولية للدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، تشمل مصاحبة نفسية طويلة الأمد وإدماجاً اجتماعياً ومهنياً، بما يضمن للناجين استعادة حياتهم الطبيعية. والثالثة، إطلاق منصة رقمية للقارة، تجمع التجارب والخبرات بين الدول الإفريقية والمؤسسات، لتصبح مرجعاً عملياً لصناع القرار وصانعي السياسات.

كما دعا بوريطة المجتمع الدولي والدول الإفريقية إلى دعم المبادرات القارية، وتمويل الآليات المبتكرة، بما في ذلك المنصات الرقمية والشبكات التي تتيح مشاركة فعالة للضحايا، مؤكداً أن هذا المؤتمر ليس محطة عابرة، بل امتداد لاستراتيجية شاملة للمملكة بقيادة الملك محمد السادس، الذي يرى في إفريقيا أكثر من انتماء جغرافي، بل روابط إنسانية وتاريخية عميقة قائمة على التضامن.

وشدد الوزير على أن الإرهاب ليس مجرد أزمة أمنية، بل هو تهديد يمزق النسيج الاجتماعي ويضعف الاقتصادات المحلية ويزرع الرعب واليأس. وأوضح أن غرب إفريقيا وحده شهد في سنة 2025 نحو أربعمئة وخمسين هجوماً إرهابياً، فيما أصبحت منطقة الساحل بؤرة رئيسية من حيث عدد الهجمات والضحايا، مما يبرز حجم التحديات أمام القارة بأكملها.

رغم هذا الواقع، أكد بوريطة أن إفريقيا ليست مجرد قارة هشاشة، بل "قارة الصمود والتضامن الاجتماعي والقدرة على النهوض"، مشيراً إلى أن المؤتمر يشكل فرصة للانتقال من مجرد الاعتراف بالضحايا إلى دمجهم الفعلي في السياسات العمومية وتعزيز آليات تقييم مستمرة لمدى استجابة هذه السياسات لاحتياجاتهم.

وتأتي هذه المبادرات ضمن استراتيجية شاملة للمغرب لمكافحة الإرهاب والتطرف، ترتكز على ثلاثة أبعاد: الأمني عبر تفكيك الخلايا الإرهابية، والتنموي من خلال برامج التنمية البشرية، والفكري عبر إصلاح الحقل الديني ونشر قيم الوسطية والاعتدال، إلى جانب بعد رابع يتمثل في الاعتراف بالضحايا كفاعل مركزي في السياسات الإفريقية لمكافحة الإرهاب.

ويعد هذا المؤتمر استمراراً لاجتماع وزاري لمجموعة "أصدقاء ضحايا الإرهاب" الذي انعقد قبل أشهر في نيويورك، ليمنح القضية بعداً إفريقياً ويضع الضحايا في قلب النقاش ويؤسس لرؤية جديدة لمكافحة الإرهاب على مستوى القارة. وفي الختام، أكد بوريطة أن هذا التجمع يمثل بداية لمسار طويل نحو قارة تستعيد أمنها وكرامتها، وتبني السلام على أسس العدالة، التعافي، والقدرة على الصمود.

تعليقات